أهلا بك من جديد يا زائر آخر زيارة لك كانت في
آخر عضو مسجل DASAD فمرحبا به
ادخل هنا
المواضيع الأخيرة
» عند الدخول والخروج من المنتدى
الثلاثاء سبتمبر 11, 2018 11:41 pm من طرف azzouzekadi

» لا اله الا الله
الأحد يناير 28, 2018 7:51 pm من طرف azzouzekadi

» قصص للأطفال عن الثورة الجزائرية. بقلم داؤود محمد
الثلاثاء يناير 31, 2017 11:52 pm من طرف azzouzekadi

» عيدكم مبارك
الإثنين سبتمبر 12, 2016 11:14 pm من طرف azzouzekadi

» تويتر تساعد الجدد في اختياراتهم
السبت فبراير 06, 2016 3:47 pm من طرف azzouzekadi

» لاتغمض عينيك عند السجود
السبت يناير 30, 2016 10:52 pm من طرف azzouzekadi

» مباراة بين لاعبي ريال مدريد ضد 100 طفل صيني
الخميس يناير 14, 2016 11:18 pm من طرف azzouzekadi

» سجل حضورك بشيء مما علمتك الحيــاة
الخميس يناير 14, 2016 12:55 am من طرف azzouzekadi

» معاً لنجعل المنتدى أفضل بأفضل حملة تنشيط المنتدى لنرتقي بعلاقاتنا إلى الكمال
الخميس يناير 14, 2016 12:41 am من طرف azzouzekadi

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

جرائد وطنية
أهم الصحف الوطنية
 
 
 
أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:
الساعة
Place holder for NS4 only
عدد زوار المنتدى

 


أكثر من 20.000  وثيقة
آلاف الكتب في جميع المجالات
أحدث الدراسات
و أروع البرامج المنتقاة



فتح صقلية الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

اذهب الى الأسفل

فتح صقلية الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

مُساهمة من طرف الاشبيلي في الإثنين مارس 12, 2012 10:49 am

فتح صقلية

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


إن الحمد لله...
كانت الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام، في عهد الخليفتين الراشدين أبي
بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- إيذاناً بظهور المجد الإسلامي
البحري، والسيادة الإسلامية في البحر المتوسط، وفتح الجزر البحرية بعد
سيطرتهم على كثير من البلاد التي فتحوها، وبخاصة بعد سيطرة المسلمين على
سواحل الشام ومصر، وكان هذا إيذاناً أيضاً كنتيجة طبيعية بزوال السيادة
الرومانية عن البحر المتوسط.
وفي سنة 32هـ كانت معركة ذات الصواري -وقد سبق التفصيل عنها في محاضرة
سابقة- تلك المعركة البحرية الشهيرة الفاصلة بين المسلمين والروم
البيزنطيين التي انتهت بأول نصر بحري إسلامي؛ نتيجة للتفكير السليم،
والخطة المدروسة غير العادية.
واطمأن المسلمون إلى قوتهم البحرية بعد ذات الصواري، وأدركوا إمكانية
تفوقهم البحري في البحر المتوسط بعد أن انتصروا على أقوى أسطول كان فيه.
وهكذا بدأت الأساطيل الإسلامية تجول في البحر المتوسط، وبمرور الأعوام
سيطرت على شواطئه الشرقية في الشام، ثم على شواطئه الجنوبية في مصر
والمغرب العربي، ثم فتح المسلمون الأندلس فوصلوا إلى جنوب فرنسا، فسيطروا
بذلك على معظم أرجاء شمال البحر المتوسط، وتحوَّل بذلك إلى بحيرة إسلامية،
بعد أن كان بحيرة بيزنطية رومية.
وهذا المجد البحري جزء من المجد الإسلامي، هذا المجد الذي سجله المسلمون
بفضل رسالة الإسلام، فبالإسلام سادوا أوطانهم بعد تحريرها، بل سادوا
العالم القديم كله، قلبه وجناحيه، وحيثما حلّوا، حلّ العلم، ونبتت
الحضارة، وحلّ الازدهار، ونمت مفاهيم العدالة والمساواة والإنسانية، لقد
أورقت الأرض من تحت أرجلهم.
ونتساءل إذا أراد المسلمون اليوم أن يفتخروا، فبمن يفتخرون ويباهون؟
أبأنفسهم وحاضرهم الممزق؟ أم بعظام أجدادهم الذين وُلِد بعضهم في الحجاز،
واستشهدوا في الثغور، وفي أصقاع سحيقة على حدود الصين وفي قلب فرنسا، وعلى
أسوار روما وفيينا؟.
لقد أحاطت بهم عناية الله سبحانه، وهي إلى الأبد، موجودة باقية، ترى من هم أهل لها؟
إنها للذين ينصرون الله فيعتنون بأوامره -سبحانه وتعالى- فهماً وتطبيقاً وتعليماً، فهو القائل -عز وجل-: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
[(7) سورة محمد]
كيف وصل المسلمون إلى جزيرة صقلية؟ وكيف تم فتحها؟
وهي جزيرة في أعماق البحر الأبيض المتوسط، لقد خاض المسلمون غمار البحر،
وتمكنوا من فتح جزر كثيرة قبل أن يوجهوا أنظارهم نحو صقلية، وجزر البحر
المتوسط كثيرة، فتح المسلمون معظمها، من ذلك:
جزيرة قبرص: فقد كتب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- والي الشام- إلى
الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يستأذنه في غزو البحر
أكثر من مرة، فأجابه عثمان إلى ذلك وكتب إليه: لا تنتخب الناس ولا تُقرع
بينهم، خيّرهم فمن اختار الغزو طائعاً، فاحمله وأعنه، ففعل معاوية،
واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الفزاري.
واتجه الأسطول الإسلامي عام 28 للهجرة نحو قبرص، وهي الجزيرة الهامة
لموقعها في البحر المتوسط، فهي المحطة البحرية الإستراتيجية للتجارة
والملاحة، كما أن موقعها هام لحماية فتوح المسلمين في بلاد الشام
وأفريقية.
اتجه الأسطول الإسلامي من سواحل بلاد الشام بقيادة عبد الله بن قيس إلى
قبرص، وسار إليها أيضاً أسطول إسلامي آخر من مصر بقيادة عبد الله بن سعد،
فانتزعها المسلمون عام 28 هـ من البيزنطيين.
وقد صالح أهل قبرص المسلمون على ألا يقوموا بغزو المسلمين، وعليهم أن
يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم، مع جزية قدرها سبعة آلاف دينار كل
سنة، وأن يختار المسلمون بطريق قبرص.
فكان من نتائج هذا الفتح المبارك لجزيرة قبرص هدم جدار الوهم عند المسلمين
بركوب البحر، وبدء الصراع بين المسلمين والروم فيه، إضافة إلى تأمين حدود
بلاد الشام ومصر بجعل قبرص قاعدة إنذار متقدمة.
وهذه الجزيرة كغيرها من جزر البحر المتوسط رجعت بعد سنوات لحكم النصارى؛
وذلك لما ضعف المسلمون وتخلوا عن أشياء كثيرة من دينهم، فعاقبهم الله -جل
وتعالى- بأن انتزع كل هذه البلاد من أيديهم، فكان بعضها بين مد وجزر بين
المسلمين وبين عدوهم.
ولما أخذ العثمانيون على عاتقهم حماية العالم الإسلامي فتحوا قبرص مرة أخرى
بعد أن عادت للنصارى، ثم احتلها البريطانيون، وهي الآن مستقلة منذ عام
1364هـ.
بعدها بعث معاوية -رضي الله عنه- جنادة بن أبي أمية الأزدي إلى جزيرة أخرى
في البحر المتوسط تسمى جزيرة "رودس" ففتحها عنوة، وكانت غيضة في البحر،
وأمره معاوية فأنزلها قوماً من المسلمين، وكان ذلك في سنة اثنتين وخمسين
للهجرة.
أقام المسلمون برودس سبع سنين في حصن اتخذ لهم، فلما مات معاوية -رضي الله عنه- كتب ابنه يزيد إلى جنادة يأمره بهدم الحصن والرجوع.
ولما كان مسلمة بن عبد الملك في طريقه إلى القسطنطينية فتح رودس مرة ثانية،
وبعد فشل حصار القسطنطينية أفلتت الجزيرة من يد المسلمين، ثم حاول
الخليفة هارون الرشيد فتح رودس، ولكنها بقيت تابعة لبيزنطة حتى استولى
عليها فرسان الصليبيين، وخلال سيادة الصليبيين عليها جاءت محاولة للسلاطين
المماليك في مصر ولكنها لم تنجح، ومن ثم ظلت رودس خاضعة للصليبيين حتى
انتزعها العثمانيون عام 928هـ، وفي عام 55هـ غزا جُنَادة بن أبي أمية
جزيرة "كِريت"، ففتح أجزاء منها.
وفي زمن الوليد بن عبد الملك فتحت أجزاء أخرى من هذه الجزيرة، وفي زمن
هارون الرشيد تم فتح الجزء الأكبر منها بقيادة حميد بن معيوف الهمداني، ثم
غزاها في خلافة المأمون أبو حفص عمر بن عيسى الأندلسي وافتتح منها حصناً
واحداً ونزله ثم لم يزل يفتح شيئاً بعد شيء حتى لم يعد فيها من الروم أحد.
ثم فتح المسلمون جزيرة "مالطة" وهي مفتاح حوض المتوسط، وتم الفتح الكامل
لمالطة عام 256هـ زمن أبي عبد الله محمد الأغلبي، وجاء فتحها مكملاً لحصار
صقلية، وتأكد بعد فتح صقلية ومالطة سيطرة المسلمين التامة على جميع مضايق
البحر المتوسط، وكان مقام المسلمين بمالطة أطول من مقامهم بجزيرة صقلية،
وسعد أهلها في ظل الحكم الإسلامي.
وخرجت مالطة من أيدي المسلمين سنة 482هـ، فقد استردها النورمانديون بعد استردادهم لصقلية غير أنه سُمح للمسلمين الإقامة فيها.
ولما كان يؤتى بألوف من أسارى المسلمين إلى مالطة، فقد قصد العثمانيون
الاستيلاء عليها، ولكنهم لم يتمكنوا منها، وحاولوا ذلك مرة أخرى في أيام
السلطان محمد الرابع، ثم احتل نابليون الجزيرة، ثم احتلها الانكليز عام
1214هـ، وهي اليوم دولة مستقلة.
وأما جزيرة "قوصَرة" فأول من غزاها هو عبد الملك بن قطن الفهري، خلال ولاية
موسى بن نصير على أفريقية، وذلك عام 88هـ، وكان الفتح النهائي على يد عبد
الرحمن بن حبيب الفهري حفيد عقبة بن نافع سنة 130هـ.
واتخذ الأغالبة جزيرة قوصَرة قاعدة لفتح صقلية، وأقاموا بها مركزاً للحمام
الزاجل، ونقلوا إليها بعض السكان النصارى من صقلية، وعدداً من فلاحي تونس
من عرب وأفارقة، فتمازجوا واقتبسوا العادات الإسلامية واللغة العربية، وقد
امتدت السيادة الإسلامية على قوصَرة حتى عام 484هـ.
وفي عام 92هـ غزا الجيش البحري الإسلامي جزيرة "سردينية" وكان ذلك أيام
موسى بن نصير، وكان هذا أول غزو لهذه الجزيرة، ثم تم الفتح الجزئي لهذه
الجزيرة عام 227هـ زمن الخليفة الأموي عبد الرحمن بن الحكم، واتخذ
المسلمون من فتوحهم في سردينية نقطة انطلاق لمهاجمة إيطاليا وجنوب فرنسا.
ولم يستقر المسلمون في سردينية بسبب تفرق الكلمة بين أمويي الأندلس وأدارسة
المغرب وأغالبة تونس. والفتح الحقيقي لسردينية كان في ربيع الأول سنة
406هـ على يد مجاهد العامري، الذي كان يهدف إلى الفتح والاستقرار، لا
الغزو والغنائم فحسب.
وأيضاً من الجزر التي فتحها المسلمون ضمن فتوحاتهم لجزر البحر الأبيض
المتوسط ما يسمى بجزر "البِليَار" وهي عبارة عن مجموعة من الجزر المتقاربة

وارتبط تاريخ هذه الجزر بتاريخ وأحداث الأندلس لقربها من شواطئها، وأول من
غزاها موسى بن نصير عندما أرسل ابنه عبد الله، وتكرر غزوها بعد ذلك. ومنها
أيام الحكم بن هشام الأموي الأندلسي سنة 182هـ، فاستعان أهلها بشارلمان
الذي نجح في إبعاد المسلمين عنها لفترة طويلة.
وفي زمن الحكم بن هشام قامت أيضاً حملة أخرى عام 200هـ باتجاه البليار،
فوقّع أهلها عهداً مع المسلمين، ثم نقضوه بعد 34 سنة، فأرسل عبد الرحمن
الثاني بن الحكم سنة 238هـ أسطولاً مكوناً من ثلاثمائة مركب نجح في
إخضاعهم. وأُخرج منها المسلمين نهائياً سنة 637هـ.
أما جزيرة صقلية فهي أهم جزر البحر الأبيض المتوسط؛ لأنها صلة الوصل بين
شمال أفريقية من ناحية وبين إيطاليا من ناحية ثانية، فهي درة جزر البحر
المتوسط.
في عام 36هـ زمن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-،
وعندما كان معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام، بدأ الغزو الإسلامي
لجزيرة صقلية، حين وجه معاوية -رضي الله عنه- أحد قواده وهو معاوية الكندي
على رأس أسطول من مئتي سفينة، انطلقت من شواطىء سوريا، وتابع عبد الله بن
قيس الفزاري قيادة هذا الأسطول، فوصل صقلية فغنم وعاد.
واستمر الغزو الإسلامي لجزيرة صقلية، وكان مسلمو أفريقية بحكم موقعها
الجغرافي هم الذين تولوا أمر هذه الجزيرة، وكان معظمهم من البربر؛ لقلة
العرب في شمال أفريقية وقتئذ، مع العلم أن البربر من أشد الشعوب التي
اعتنقت الإسلام بأساً، فغزاها عباس بن أخيل، من رجال موسى بن نصير. وغزاها
أيضاً محمد بن يزيد الأنصاري والي أفريقية.
وأيام أبي جعفر المنصور قام عبد الرحمن بن حبيب الفهري والي أفريقية بغزوها
عام 135هـ، وكان للأغالبة حكّام أفريقية النصيب الأكبر، والجهد الأهم في
فتح صقلية، وإكمال فتحها.
فمن هم الأغالبة؟
عندما بدأ نفوذ العباسيين يضعف في بلاد المغرب، ظهر إبراهيم بن الأغلب،
الذي استطاع أن يعيد للعباسين سلطانهم على شمال أفريقية، فطلب إليه السكان
أن يطلب من الخليفة العباسي هارون الرشيد الولاية عليهم، فكتب إبراهيم
إلى الرشيد في ذلك، وبعد أن استشار الرشيد أصحابه، كتب إليه عهداً بولاية
أفريقية مدى الحياة، وأن تكون وراثية في أولاده على أن يتولى الخليفة
العباسي في بغداد اعتماد الولاة واحداً بعد الآخر.
ضبط إبراهيم الولاية، وسكنت البلاد، وابتنى مدينة "العباسية" قرب القيروان،
وانتقل إليها، وسرعان ما ازدهرت وظهرت فيها المباني الشاهقة، وألوان من
النشاط العلمي والاقتصادي.
وكان إبراهيم على علم بالأدب والفقه كما كان شاعراً وخطيباً شجاعاً، يقول
المؤرخ ابن عذاري: "لم يلِ أفريقية أحسن سيرة، ولا أحسن سياسة، ولا أرأف
برعية، ولا أوفى بعهد، ولا أرعى لحرمة منه".
وهكذا أسس إبراهيم بن الأغلب إمارة الأغالبة التي تعاقب عليها أحد عشر أميراً من عام 184هـ وحتى عام 296هـ.
لقد حقق الأغالبة نجاحاً رائعاً في الداخل والخارج واستطاعوا أيضاً أن
يقضوا على الفتن والقلاقل في ربوع أفريقية، وأن يعيدوا إلى البلاد الأمن
والاطمئنان.
عقد إبراهيم الأغلبي هدنة ومعاهدة مع حاكم صقلية مدتها عشر سنوات ولم يطل
أمر هذه المعاهدة، بسبب مخالفة ونقض البيزنطيين الصقليين لأهم بنودها، ألا
وهو رد الأسرى المسلمين إلى ديارهم، فأرسل الأغالبة عام 197هـ أسطولاً
هاجم بعض الجزر التابعة لصقلية، وأرسل الإمبراطور البيزنطي أسطولاً من
المدن الإيطالية الساحلية غير أن المسلمين استطاعوا أن يهزموا الأسطول
البيزنطي وغنموا بعض سفنه.
عاود البيزنطيون الكرَّة، فأرسلوا أسطولاً جديداً، فانتصروا على الأسطول
الإسلامي، مما أدى إلى تجديد الهدنة مرة أخرى، ولكن أمدها لم يطل، فقد
أرسل زيادة الله الأغلبي -ثالث حكام الأغالبة في أفريقية- أسطولاً لفتح
صقلية بقيادة ابن عمه، فلم يفلح في فتحها، ولكنه استطاع أن يرد الأسرى
المسلمين، بعدها أرسل حملة أخرى بقيادة أسد بن الفرات لفتح صقلية.
ويعد تولية هذا الرجل ليكون هو القائد للجيش البحري الإسلامي لفتح جزيرة
صقلية يعد من عظمة هذا الدين، ومن عظمة الجهاد الإسلامي أن يتولى قيادة
جيش بحري رجل مثل أسد بن الفرات.
فلنتعرف على هذه الشخصية الفريدة في عالم الجهاد والفتوحات، ولندرك شيئاً من عظمة هذا الدين.
إنه الفقيه المجاهد والفقيه البارع والمحدث الثقة، قاضي القيروان، تلميذ
مالك بن أنس. أبو عبد الله، أسد بن الفرات بن سنان، ولد سنة 142هـ بمدينة
"حرّان" من أعمال ديار بكر بالشام، ثم انتقل إلى بلاد المغرب مع أبيه
الفرات بن سنان سنة 144هـ، والذي كان قائداً للمجاهدين الذين خرجوا لنشر
الإسلام في بلاد المغرب، واستقر مع أبيه بالقيروان، ونشأ منذ صغره على حب
العلم وحفظ كتاب الله حتى أتمه في مرحلة الصبا وأصبح هو نفسه معلماً
للقرآن وهو دون الثانية عشر.
رحل إلى الشرق في طلب الحديث، وفي الحجاز قابل إمام دار الهجرة مالك بن
أنس، فأمضى ابن الفرات فترة من الزمن غير قصيرة يجلس إلى مالك ويشهد
حلقاته، ويكتب عنه ويتحدث إليه، ثم رحل إلى العراق ليكمل رحلته العلمية،
قبل عودته إلى أفريقية، وفي العراق التقى بأبي عبد الله محمد بن الحسن
الشيباني الذي وجد منه من العناية به والرعاية لشأنه، ما سدد خطاه ومضى به
نحو غايته.
وهكذا قُدّر لابن الفرات، أن يدرس المذهبين الكبيرين السائدين في العالم
الإسلامي إذ ذاك، مذهب أهل الحديث في المدينة النبوية، ومذهب أهل الرأي في
بغداد.
وفي طريق عودته إلى القيروان، قابل في مصر أئمة الفقه من أصحاب مالك، فأخذ
عنهم أيضاً، ثم عاد بعدها إلى بلده القيروان، بعد رحلة علمية طويلة.
اتخذ ابن الفرات القيروان مقراً له بعد عودته، فأقبل عليه الناس من كل
مكان، من المغرب والأندلس، واشتهر أمره، وظهر علمه، وارتفع قدره، وانتشرت
إمامته، وجاءته الأسئلة من أقصى البلاد ليجيب عليها فكان يجلس إليه أتباع
مذهب مالك، وأصحاب المذهب العراقي، فيأخذ في عرض مذهب أبي حنيفة، وشرح
أقوال العراقيين، فإذا فرغ منها صاح صائح من جانب المجلس: "أوقد المصباح
الثاني يا أبا عبد الله"، فيأخذ في إيراد مذهب مالك وشرح أقوال أهل
المدينة، فكان هذا نهجاً جديداً في دراسة الفقه المقارن.
\اتسعت دراسته في القيروان، فولاّه أمير الأغالبة في ذلك الوقت "زيادة الله" منصب القضاء، فأصبح هو القاضي في مدينة القيروان.
وكان أسد بن الفرات على عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة السلف الصالح،
لذلك كان من أشد علماء المغرب على أهل البدعة، معروفاً بنشر السنة، وكان
يكثر من تقريع المبتدعين، قرأ يوماً قول الله -عز وجل-: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}
[(14) سورة طه]،
ثم قال: "يا ويل أهل البدع؛ يزعمون أن الله -عز وجل- قد خلق كلامه، آمنت
بالله -عز وجل-، وبأنه قد كلم موسى تكليما، وأن الكلام غير مخلوق، ولكن لا
أدرى كيفيته".
وفي عام 212هـ وجد ابن الفرات في نفسه رغبة تسيطر عليه يتقرب بها إلى الله،
لإعزاز دينه، وهي الرغبة في جهاد أعدائه، فاستأذن أمير الأغالبة للذهاب
للجهاد في سبيل الله، فقد ورث حب الجهاد عن أبيه الذي كان أمير المجاهدين
في حران، فرفض الأمير الأغلبي أن يدعه يذهب، ولكنه ألح في التماس تحقيق
رغبته، وكان يقول وقد تجاوز السبعين من عمره: "وجدوني رخيصاً فلم يقبلوني،
وقد أصابوا من يُجري لهم مراكبهم، فما أحوجها إلى من يجريها بالكتاب
والسنة".
وبعد إلحاح من ابن الفرات استجاب الأمير زيادة الله الأغلبي له، بل وولاه
قيادة أسطول صقلية، لكن ابن الفرات ما أراد الإمارة، لقد أراد الجهاد
جندياً عادياً، فقال لزيادة الله: "أصلح الله الأمير! من بعد القضاء
والنظر في حلال الله تعالى وحرامه، تعزلني وتوليني الإمارة؟!".
لقد رأى ابن الفرات النظر في حلال الله وحرامه فوق الإمارة، وأسمى منها،
وأعلى منها مرتبة، فقال زيادة الله:"إني لم أعزلك عن القضاء، بل وليتك
الإمارة، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت قاض أمير".
قبل ابن الفرات هذه الولاية، وعند الوداع في الميناء وقف المشيعون من
العلماء وطلاب العلم والوجهاء ورجال الدولة وعامة الناس، يودعون قاضيهم
وشيخهم ومعلمهم فكان مشهداً مؤثراً، وهو شيخ كبير قد جاوز السبعين من
عمره، يعجز القلم عن وصفه، ويعجز اللسان في التعبير عنه وانطلق ابن الفرات
بتسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وكان معظمهم من الجند المجاهدين في سبيل
الله.
جزيرة صقلية جزيرة كبيرة واسعة فيها العديد من المدن والقرى والقلاع
والحصون، وصلت الحملة بعد مسير خمسة أيام في البحر إلى جزيرة صقلية،
ونزلوا في أقرب مدينة بها تسمى "مازارا" كان ذلك عام 212هـ.
انهزم البيزنطيون أمام أسد بن الفرات ممن كانوا في هذه المدينة وهربوا إلى
مدينة أخرى تسمى "قصريانة"، وفتح المسلمون عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى
أحد القلاع، وقد اجتمع بها خلق كثير، فخادعوا ابن الفرات على الصلح وأداء
الجزية، حتى استعدوا للحصار، ثم امتنعوا عليه فحاصرهم، عندها قام أسد بن
الفرات في الناس خطيباً فذكرهم بالجنة وموعود الله -عز وجل- لهم بالنصر
والغلبة وهو يحمل اللواء في يده ثم أخذ يتلو آيات من القرآن ثم اندفع
للقتال والتحم مع الجيش الصقلي الجرار، واندفع المسلمون من ورائه ودارت
معركة طاحنة لا يسمع منها سوى صوت قعقعة السيوف وصهيل الخيول والتكبير
الذي يخترق عنان السماء، والأسد العجوز أسد بن الفرات الذي جاوز السبعين
يقاتل قتال الأبطال الشجعان حتى أن الدماء كانت تجري على درعه ورمحه من شدة
القتال وكثرة من قتلهم بنفسه وهو يقرأ القرآن ويحمس الناس.
وتمادت عزائم المسلمين حتى هزموا الجيش الصقلي شر هزيمة، وفر بلاطه من أرض
المعركة وانسحب إلى مدينة قصريانة، ثم غلبه الخوف من لقاء المسلمين ففر
إلى إيطاليا وهناك قتل على يد بني دينه بسبب جبنه وإحجامه عن قتال
المسلمين.
وزحف البيزنطيون بعد ذلك إلى المسلمين وهم يحاصرون مدينة "سرقوسة"، واشتد
حصار المسلمين لهذه المدينة براً وبحراً، وأصيب عدد كبير من المسلمين،
وهلك عدد آخر، واشتد القتال عندما بعث الإمبراطور البيزنطي مدداً لصقلية،
وجرح ابن الفرات وهو يبدي حسن التدبير، وصدق الإيمان، وقوة الإرادة، فمات
-رحمه الله- متأثراً بجراحه، ودفن بمدينة "قصريانة".
خلف ابن الفرات في القيادة محمد بن أبي الجواري، وجاء أسطول بيزنطي آخر،
فتراجع المسلمون نحو الشمال، لكنهم فتحوا في طريقهم أحد الحصون، وحاصروا
قصريانة مرة أخرى. وتوفي محمد بن أبي الجواري أيضاً، فتولى من بعده زهير
بن عوف، وضاق الأمر بالمسلمين إلى أن وصل مدد أفريقية، وأسطول آخر من
الأندلس من ثلاثمائة مركب بقيادة "الأصبغ"، فانتصر المسلمون، وتوفي الأصبغ
أيضاً بطاعون انتشر في ذلك الوقت، غير أن الخلافات التي وقعت بين
المسلمين الأندلسيين، والمسلمين الأفريقيين، قد أخرت إتمام فتح الجزيرة.
وفي عام 225هـ أرسل أبو عقال الأغلب مدداً جديداً من أفريقية، ففتح أحد
الحصون، مما اضطر الإمبراطور إلى طلب المساعدة من الفرنجة فأمدوه بأسطول
دمره الأسطول الإسلامي جنوبي إيطاليا، وكان المسلمون قد فتحوا ثلث الجزيرة
تقريباً.
وفي سنة 232هـ حاصر الفضل بن جعفر أحد مدن الجزيرة، ووضعوا فيهم السيف، فلم
ينج منهم إلاّ القليل، فسألوا الأمان عن أنفسهم وأموالهم ليُسلِّموا
المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك، وأمّنوهم فسلموا المدينة، ففتح
المسلمون هذا الجزء من الجزيرة بفضل الله تعالى، ثم بفضل شجاعة القائد
المسلم الفضل بن جعفر.
ويعتبر العباس بن الفضل بن جعفر هو الفاتح الحقيقي لجزيرة صقلية، فقد خلف
أباه في قيادة القوات الإسلامية، فأرسل قواته إلى مختلف جهات صقلية، وكان
يقود أغلبها بنفسه، واتجه إلى الساحل الشرقي التي كان البيزنطيون قد
استردوها من المسلمين وحاصرهم خمسة أشهر حتى استسلموا، فتح بعدها خمسة
حصون، واستسلمت مدينة "قصريانة" وفتح قلعتها التي ظلت تقاوم ثلاثين سنة،
وابتنى فيها مسجداً.
كان فتح قصريانة عام 244هـ وهي المدينة التي بها دار الملك بصقلية، فنصبوا
السلالم، ودخلوا المدينة والحراس نيام، وفتحوا الأبواب، وجاء العباس في
باقي العسكر فدخلوا المدينة، وصلوا الصبح يوم الخميس منتصف شوال، وبنى
فيها في الحال مسجداً، ونصب فيه منبراً، وخطب فيه يوم الجمعة.
تلا سقوط "قصريانة"، سقوط "سرقوسة" في يد المسلمين، بعد حصار دام تسعة
أشهر، وكان سقوطها كارثة كبرى لبيزنطة وسياستها الحربية؛ فقد انهارت
الجهود الجبارة التي بذلتها خلال سنوات طويلة لإعادة النفوذ البيزنطي على
ساحل البحر.
وسقطت مدينة أخرى كانت آخر معقل، وبسقوطها أضحت صقلية كلها خاضعة للسيادة
الإسلامية، باستثناء بعض القرى الصغيرة قليلة الأهمية التي بقيت خاضعة
للبيزنطيين، وبذلك يكون الجيش الإسلامي قد دمر القوة البيزنطية، وساد
المسلمون جميع أنحاء الجزيرة.
ولنا مع فتح جزيرة صقلية عدة وقفات:
الوقفة الأولى:
كانت حضارة المسلمين عند فتح صقلية في أوج عظمتها، فانسابت إليها خلال قرنين من الزمان ألوان الثقافة والمدنية من العالم الإسلامي.
لقد قامت في جزيرة صقلية دولة إسلامية، ازدهرت في ظلها حضارة رائعة، وغدت تلك الجزيرة حديقة يانعة تزهو بعلومها وتجارتها وصناعتها.
الوقفة الثانية:
إن صقلية تعتبر بحق مركزاً هاماً من مراكز نقل الفكر الإسلامي إلى الغرب، فقد كانت في العصور الوسطى مركز إشعاع فكري لأوربا جميعها.
ومما هو جدير بالذكر أن الحضارة الإسلامية في صقلية استمرت في الازدهار
حيناً من الدهر بعد احتلال النورمانديين لها، فقد قدر النورمان تفوق
المسلمين الحضاري، فآثروا الانتفاع بعلوم المسلمين ومعارفهم وصناعتهم،
ولذا فقد سمحوا ببقاء جالية إسلامية في صقلية، تعيش في ظل النورمان آمنة
متمتعة بشعائرها ونشاطها العلمي والصناعي، ولاشك أن هذا التسامح قد اقتبسه
النورمان من المسلمين تقليداً.
وهكذا نجد من نتائج الفتح الإسلامي لصقلية أن فرضت الثقافة الإسلامية على
النورمانديين أولاً، وعلى أوربا ثانياً، وأن شعاعاً من ذلك النور العظيم
اتخذ سبيله إلى أوربا.
هذا وقد وصل المسلمون إلى ثغور إيطاليا، وحاصروا روما عاصمة النصرانية،
واهتز الشعب الروماني فرقاً ورعباً، ووصل المسلمون سويسرا وسيطروا منها
على أعالي جبال الألب.
الوقفة الثالثة:
إن الوجود الإسلامي في صقلية الذي دام 472 عاماً يمثل صفحة عامرة مشرقة في
تاريخ الإسلام، صفحة عامرة بالبطولة والتضحية وحمل الدعوة والاستماتة في
حمايتها، لكنه لم يخل من نكسات حالت دون مواصلة الفتح في عمق أوروبا كانت
من الأسباب الرئيسة في انحسار حمل الدعوة عن وسط أوروبا.
ولعل تاريخ الفتوحات الإسلامية لم يعرف فتحاً أعنف وأقسى وأشق من فتح صقلية
التي لم يسيطر المسلمون عليها سيطرة كاملة إلا بعد مرور ثلاثة أرباع
القرن على نزول الفاتح أسد بن الفرات ورجاله إلى مرسى "مزارا" في جنوب غرب
صقلية في ربيع الأول سنة 212هـ.
الوقفة الرابعة:
لقد برز من خلال الفتح الإسلامي في صقلية أبطال أسطوريون انحنى أمامهم
العدو احتراماً وتقديراً، وأشادت الرواية الأوروبية بصلابة إرادة المسلمين
وحسن قيادتهم وتأثيرهم الميداني والشخصي على سير الأحداث، وفي طليعة
هؤلاء أسد بن الفرات قاضي القيروان العالم الجليل، الذي بلغ السبعين من
عمره، وتطوع لقيادة أول حملة لفتح صقلية، ولولا إيمان هذا القائد وتأثيره
القوي على الجنود لما تحقق هذا الفتح حيث انبهر المؤرخ الإيطالي "أماري"
بشخصية هذا القائد في زهده وإيمانه، وقال عنه: "إنه رجل يتطلع إلى ما وراء
هذا العالم ويتخذ من العلم والجهاد وسيلة لبلوغ الرسالة التي خرج من
أجلها".
وكذلك المجاهد إبراهيم الثاني الأغلبي الذي تخلى عن الملك لابنه عبد الله،
وجاء إلى صقلية مجاهداً زاهداً يبغي مجد الإسلام، وقد استطاع بحزمه
وإيمانه أن يحقق للمسلمين السيطرة الكاملة على الجزيرة بعد اقتحام قلاعها
وطرد آخر بيزنطي من صقلية.
وكان إبراهيم يرمي إلى مواصلة التقدم في إيطاليا شمالاً والوصول إلى روما
لفتحها مصداقاً لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن المرض لم
يمهله لتحقيق حلمه فقضى نحبه قرب أسوار أحد مدن الجزيرة.
والمجاهد الثالث هو عباس بن الفضل الذي قاد جيوش أبي الأغلب إبراهيم أمير
صقلية، والذي تولى القيادة من بعده، وكان له الفضل في فتح المسلمين
قصريانة التي كانت من أهم المعاقل الدفاعية للجيش البيزنطي وإلحاق هزيمة
نكراء بأسطول بنـزنطة، واعتبر المؤرخون الأوروبيون عباس بن الفضل من أمهر
وألمع القادة المسلمين الذين واجهتهم الجيوش الأوروبية.
أصبح المسلمون منذ انتصارات إبراهيم الثاني حتى بداية الغزو النورماني
أسياداً بدون منازع لجزيرة صقلية لمدة مئة وخمسين عاماً، تخللتها معارك
وغارات وحملات متبادلة بين المسلمين والأوروبيين، ومع ذلك ظلت صقلية طيلة
هذه الفترة أرضاً إسلامية واعتنق الكثير من أهل البلاد الدين الإسلامي
وانخرطوا في الجهاد وشاركوا في الفتوح، وبرز منهم كثير من الرجال الذين
تبوأوا مناصب مهمة في صقلية نفسها وفي الأندلس.
وقد عرفت أوروبا الطب والفلسفة والعلوم والفنون المعمارية والتحف والنفائس عن طريق فتح المسلمين لصقلية.
الوقفة الخامسة:
إن تميز المسلم في باب معين من أبواب الخير، فهذا شيء عظيم يستحق أن يثني
عليه الناس به ويذكرونه، ولكن أن يكون المسلم فقيهاً وعالماً ومحدثاً،
ومجاهداً وأميراً للجيوش، وقائداً لأساطيل أعالي البحار، وقاضياً ومعلماً
ومدافعاً عن السنة وقامعاً للبدعة، ومرابطاً في سبيل الله حتى الموت، فهذا
النوع من الرجال الأبطال لا بد أن نؤرخ له، وأن نتحدث عنه، خاصة أن أبناء
المسلمين الآن لا يعرفون عنه شيئاً.
الوقفة السادسة:
لقد استمر سلطان الإسلام مستقراً في صقلية ينشر الهدى والنور فيها وما
حولها، إلى أن دب التنازع والشقاق في صفوف المسلمين، فبدأ سلطانهم ينحدر،
فاستغل الفرصة "روجير النورماني" فغزا الجزيرة سنة 530هـ.
يقول المؤرخ ابن الأثير -رحمه الله-: إن مسلمي صقلية أرسلوا وفداً إلى
المعز بن باديس لطلب النجدة، فأعد أسطولاً وقوات كبيرة، ثم وجهها إلى
صقلية إلا أنها تعرضت للغرق؛ إثر عاصفة بحرية، وبعد وفاة المعز -وفقاً
لرواية ابن الأثير- أرسل ابنه تميماً نجدة إلى صقلية بقيادة ولديه أيوب
وعلي لكنهما انسحبا وعادا إلى أفريقية بجنودهما وتركا صقلية إلى مصيرها.
لقد صاحب الغزو النورماني لصقلية هجرة إسلامية واسعة إلى أفريقية ومصر
وغيرها من البلدان الإسلامية، وعندما سيطر النورمانيون على الجزيرة قُدر
عدد المسلمين الذين ظلوا بصقلية ما بين المائة والثلاثمائة ألف مسلم من
العرب والبربر والصقليين الذين اعتنقوا الإسلام.
وشهدت صقلية أول مذبحة للمسلمين بعد وفاة روجير الثاني، حيث قتل عدد كبير
منهم في أعنف حملة تطهير، ودمرت أحياؤهم السكنية ونهبت أموالهم ومتاجرهم،
وبذلك زال الوجود الإسلامي من معظم مدن صقلية وإن ظل يقيم بها أفراد غيروا
أسماءهم واعتنقوا المسيحية.
إزاء هذا العداء الصارخ هب ما تبقى من المسلمين للدفاع عن أنفسهم وأرواحهم
ودينهم وتزعم هذه الحركة عدد من القادة، برز من بينهم محمد بن عبّاد الذي
عرّفته الرواية الأوروبية باسم "المرابط" وقام بثورته ما بين العقدين
الثاني والثالث من القرن الثالث عشر، وشغل قوات فردريك في معارك قاسية،
لكن فردريك استطاع أن يحاصر ابن عبّاد وضيق الخناق عليه حتى استسلم بشرط
أن يتمكن من مغادرة صقلية مع أولاده إلى أفريقية، ووعده فردريك بذلك إلا
أنه غدر به وأعدمه مع اثنين من أولاده، وواصلت من بعده
القتال ابنته التي لم يذكر اسمها، وكانت قد رفضت الاستسلام ونصحت أباها
بعدم الاستسلام، وعندما رفض نصيحتها فضّلت البقاء في القلعة ومعرفة ما سوف
ينتهي إليه أمر والدها، وعندما علمت بما حل بوالدها واصلت المقاومة وصممت
على الاستماتة في القتال، فخرجت مع رجالها من القلعة وغارت على جيش
فريدريك بغية فك الحصار وصممت على الانتقام لوالدها، وذات يوم أرسلت إلى
فريدريك تعلمه أنها تريد الاستسلام ولكنها تخشى ممانعة رجالها لها، ولذلك
فإنها تطلب منه إرسال ثلاثمائة فارس من خيرة رجاله ليلاً، وأخبرته أنها
سوف تفتح لهم القلعة وتمكنهم من الاستيلاء على القلعة، وسُرّ فردريك من
الفكرة وأرسل إليها فرسانه، وفي الصباح توجه فريدريك إلى القلعة ففوجئ
برؤيته رؤوس فرسانه تتدلى فوق أسوار القلعة وحاول استدراجها بالحيلة
والإغراء، فأمّنها على حياتها إذا استسلمت ووعدها بالزواج، إلا أنها واصلت
المقاومة مع رجالها والحصار الطويل حتى نفذت المؤن والأغذية من القلعة
واشتد بها وبرجالها الحال، وقاومت إلى أن قتلت في معركة مع من كان معها من
المسلمين دون استسلام، وبعدها اقتحم فريدريك القلعة واستولى على من تبقى
منها.
واختُتِم ما تبقى من الفصل الأخير من حياة المسلمين داخل جنوب إيطاليا
ببطولة فتاة مسلمة ضربت أروع مثل في الشجاعة والإباء والتضحية وسط سلسلة
من التخاذل والخيانة والأنانية وقصر النظر الذي قضى على ثاني سلطان إسلامي
في أوروبا بعد الأندلس
، إلا أنه لم تنته المقاومة بعد استشهاد هذه
المرأة، بل استمرت المقاومة، الأمر الذي دفع فريدريك إلى إبعاد كل
المسلمين خارج صقلية.
فطويت بذلك صفحة التاريخ الإسلامي المشرق في جزيرة صقلية، ولله الأمر من
قبل ومن بعد،. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى...

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
avatar
الاشبيلي
مشرف عام
مشرف عام

عدد المساهمات : 528
تاريخ التسجيل : 15/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فتح صقلية الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

مُساهمة من طرف دموع الاطلال في الإثنين مارس 12, 2012 2:39 pm

شكرا لك

دموع الاطلال
كبار الشخصيات
كبار الشخصيات

عدد المساهمات : 178
تاريخ التسجيل : 22/02/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى